عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
41
اللباب في علوم الكتاب
للكافر ، وقوله عليه الصلاة والسلام : « من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرى مسلم
--> - قرائن دالة على أنه ليس من جنس كلام البشر ؛ كعدم الترتيب ، والاستماع من جهة واحدة ، فينتهوا عن طلب الرؤية تعليل سقيم ؛ لأنهم سمعوا التكليم بالأمر والنهي حينما دخلوا مع موسى - عليه السلام - الغمام ، وخروا سجدا ، وأيقنوا أنه من عند الله - تعالى - ، فما بالهم قد رجعوا بعد هذا ، وقالوا : « لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً » فدل كل هذا على أنه إنما سألها لنفسه ، فتكون جائزة . الاعتراض الرابع : وهو بمنع الملازمة مع منع دليلها ، وحاصله أنهم قالوا : لا نسلم لزوم العبث في سؤالها عند العلم بالامتناع ، لجواز أن يكون ذلك لفائدة هي زيادة الطمأنينة ؛ وذلك أن موسى - عليه السلام - سأل ربه رؤية ذاته لنفسه ، وهو عالم بامتناعها علما عقليا ؛ لتأكد الدليل العقلي بالسمعي ، فيزداد علمه ويقوى يقينه بتعاضد الأدلة ، وغير خاف أن تكرار الأدلة لو كانت من جنس واحد - تفيد زيادة الاطمئنان ، فكيف إذا كانت من جنسين : سمعي وعقلي ، وقد أجيب عن هذا الاعتراض : بأنه لو كان المراد كما تقول المعتزلة ؛ من طلب موسى - عليه السلام - الدليل السمعي الدال على امتناعها ، واستحالتها لزيادة العلم لخوطب بما يدل على الامتناع ، لا على نفي الواقع الدال على الإمكان ، والقول بأن هذا مثل ما وقع للخليل - عليه السلام - مردود ؛ لأنه قياس مع الفارق ؛ لأن الخليل - عليه السلام - إنما طلب أن يرى إحياء الموتى ؛ ليطمئن قلبه ، وليس في هذا ما يوهم بجهله بما لا يليق في حقه - تعالى - ، على أنه قيل : إن إبراهيم - عليه السلام - لم يكن عالما من قبل الطلب ، حتى يكون تأكيدا ؛ وذلك أنه أوحي إليه من ربه : إني اصطفيتك إنسانا خليلا ، وعلامته : أني أحيي الموتى بدعائه ، فظن إبراهيم - عليه السلام - أنه ذلك الإنسان ، فطلب الإحياء ، ليطمئن قلبه ، وما قيل في الجواب أن إبراهيم - عليه السلام - كان يخاطب جبريل - عليه السلام - عند نزوله بالوحي ؛ ليعلم أنه من عند الله ، فضعيف ؛ لأن الخطاب صريح في أنه كان يخاطب الرب - سبحانه تعالى - ، وجبريل ليس برب ؛ فإن الرب وإن أطلق على غير الله - تعالى - بمعنى المربي ؛ كقوله : « ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ » لكن إضافته إلى نفسه مما لا يليق بشأن إبراهيم - عليه السلام - ، وكيف يكون الخطاب لجبريل وهو يطلب إحياء الموتى ، وهذا ليس بمقدور لجبريل عليه السلام - ، فيكون منه عبثا . الاعتراض الخامس : هو موجه على دليل الملازمة أيضا ، أعني : منافاة النبوة ، وحاصله : تسليم أنه غير عالم بامتناعها ، ومنع أن هذا مناف للنبوة ، وإنما الذي ينافيها هو الجهل بالوحدانية ، وما أمر بتبليغه من الأوامر والنواهي ؛ لجواز أن يكون امتناعها وجوازها من الأمور التي مرجعها طريق السمع ، على أنه يجوز ألا تكون الرؤية من شريعة موسى - عليه السلام - ، وحينئذ لا يضر الجهل بامتناعها والسؤال عنها ، والحالة هذه صغيرة لا يمتنع مثلها على الأنبياء . أجيب : أولا : أن هذا يقتضي أن موسى - عليه السلام - دون آحاد المعتزلة ، بل ودون من حصل طرفا من علم الكلام . ثانيا : أن المعتزلة يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئيا فإنه يجب أن يكون مقابلا ، أو في حكم المقابل ، وحينئذ لا يخلو الحال : إما أن يكون موسى - عليه السلام - حصل له هذا العلم ، أو لم يحصل ، فإن كان الأول ، كان موسى - عليه السلام - مجوزا كونه تعالى حاصلا في جهة وحيز ، وهو محال ، وإن كان الثاني ، لم يكن عالما بجميع العلوم الضرورية ، وهو نقص في حقه - عليه السلام - ، فثبت أن القول بأن موسى غير عالم بامتناعها باطل فاسد ؛ لما يترتب عليه من الفساد . وقولهم : إن -